الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية تجارة النساء غول يتهدّد بلادنا: شخصيات نافذة في قفص الاتهام.. والقانون عاجز عن فكّ اللغم

نشر في  22 أكتوبر 2014  (10:53)

تسجّل سنويا شبكات الاتجار بالبشر في العالم 800 ألف ضحية، وتعتبر هذه الظاهرة شكلا متطورا للعبودية. اذ يصنف الاتجار بالبشر كثالث أكبر تجارة اجرامية في العالم بعد المخدرات والسلاح، وتستهدف خاصة الفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع أو التي تمر بظروف صعبة تجعلها في موقف ضعيف.

وتعتبر تونس في هذا السياق وجهة وبلدا مصدرا ومركز عبور لعمليات الاتجار التي تستهدف بالأساس النساء والاطفال والفتيات وحاملي الاعاقة الذين يتعرضون إلى مظاهر مختلفة من الاستعباد المنزلي وحتى المشاركة القسرية في الأنشطة الاجرامية وصولا الى التسول القسري والاستغلال الجنسي.

وقد كشفت دراسة قامت بها المنظمة الدولية للهجرة بتونس سنة 2012-2013 وجود شبكات مرتبطة بالإتجار عبر الحدود مما يجعل من تونس بلد انطلاق حيث يتم استغلال نساء تونسيات في ممارسة البغاء قسرا في دول الخليج ولبنان وغرب إفريقيا وتركيا وليبيا بعد اغرائهم بوعود شغل وهمية.

ومن جهتها، اكدت ممثلة المنظمة هيلين لوجوف أن عملية الاتجار تهدد خاصة النساء المهاجرات اللواتي لسن في وضعية قانونية أو من ضحايا ارتفاع نسبة الفقر في بلادهن او ضحايا النزاعات المسلحة، كما تمنع عنهن الهوية القانونية والخدمات الصحية والعمل مما يجعلهن عرضة الى سوء المعاملة والعنف والاستغلال من قبل المتورطين في الاتجار بالاشخاص.

الاستغلال الجنسي ينتعش في تونس
تعتبر تجارة الجنس من أكثر أنواع الاتجار غير المشروع نموا حيث سجلت نسبة ضحايا الاستغلال الجنسي 79 بالمائة، وهو يستهدف خاصة الفتيات القاصرات ما بين 13 و17 سنة حيث يتم تنقيلهم من ولاية الى أخرى أو من بلد الى اخر في بعض الأحيان عن طريق "سماسرة" يغرّرون بهن، وهم كهول من جنس الذكور أو فتيات من جنسهنّ.

وفي هذا السياق، عبرت م.ن احدى ضحايا الاتجار تبلغ من العمر 17 سنة في شهادة قدمتها للعموم عن معاناتها الاجتماعية والنفسية بسبب الاستغلال الجنسي حيث تعرضت يوم 31 جانفي 2014 الى عملية اغتصاب من قبل كهل في العقد الخامس من عمره مؤكدة انه يمارس شتى انواع التعذيب والاغتصاب على العديد من القاصرات، ثم انضمت بعد ذلك الى شبة دعارة لتتم التجارة بها من قبل شخصيات ذات نفوذ في البلاد حسب قولها. وقد تم ايقافها يوم 18 جوان بتهمة ممارسة الخناء والبغاء.

وقصد الوقوف على آليات مكافحة الاتجار بالاشخاص، اكدت نجاة الجوادي رئيسة قسم حماية القاصرين (وزارة الداخلية) ان المكافحة ضعيفة جدا في ظل غياب قانون يجرّم هذه الظاهرة كما يجرم وضعية "السمسار". ونبهت الجوادي من خطورة تفشي ظاهرة البغاء السري باعتباره نوعا من أنواع الاتجار حيث بلغ عدد المتهمات والمتضررات في هذا المجال 281 حالة سنة 2014. أما البغاء العلني فقد سجل 61 قضية هم الكشف عنها وتتعلق بالمومسات والمشرفات. كما دعت الى الحد من السياحة الجنسية المتمثلة في وفود الاجانب على الاحياء التونسية الراقية من اجل استغلال نسائنا وبناتنا. ولم تغفل الجوادي عن التذكير بالاشكال الجديدة للدعارة تحت ما يسمى بجهاد النكاح اذ تم الاعلان في عديد المناسبات عن استغلال النساء التونسيات جنسيا في سوريا والعراق.

ظروف داخلية واقليمية شجعت على ازدهار هذه التجارة
يرى طارق بالحاج محمد اخصائي في علم الاجتماع أن هناك ظروف موضوعية داخلية تتمثل أساسا في الظروف السياسية والاجتماعية التي شجّعت بصفة غير مباشرة على تفشي هذه الظاهرة خصوصا مع تعمق الأزمات وتواترها وضعف أجهزة الدولة وتشتت المجهود الأمني وانتصاب ونشاط شبكات الجريمة المنظمة لتي تتراوح بين التهريب والاتجار بالبشر وصولا إلى الإرهاب، وهي كلها عوامل شجعت على ازدهار أقدم مهنة عرفتها البشرية.

وعلى خلاف ما توقعه البعض من أن وجود حكومة ذات خلفية إسلامية يمكن أن يخفف من حدة هذه الظاهرة، فقد ثبت أن هذا التعميم ليس في محله. أولا لأن كل ممنوع مرغوب وبالتالي كلما اشتد التضييق على هذا النشاط إلا وازدادت الرغبة فيه كرد فعل نفسي واجتماعي دفاعي لبعض الفئات ضد السلطة تريد أن تغير لهم نمط حياتهم. وثانيا أن بعض الحكومات المتعاقبة، وبدون قصد منها أحيانا، وفي إطار تركيزها للنمط الاجتماعي الذي تؤمن به قامت بإهمال وتصحير المشهد الثقافي ومحاصرة المشهد الإعلامي واهمال الفضاءات العامة وكل ما له علاقة بإدارة الوقت الحر من ملاعب ودور ثقافة وشباب ومسارح.... وفي مثل هذه الوضعية من التصحر وغياب المشاركة الاجتماعية وتراجع دور الفضاءات المخصصة للوقت الحر، هل يبقى للتونسي العادي من خيارات كبرى لتاثيث اوقات سوى اللجوء إلى أيسر الحلول وأسهلها. وبالتالي تصبح الدعارة الوجه الأخر لبعض الظواهر المرضية. على غرار ارتفاع نسبة استهلاك الخمور وغيرها... فضلا عن غياب أي مشروع ثقافي لدى من يحكم ويعارض على حد سواء.

واكد الاخصائي في علم الاجتماع، ان الظروف الإقليمية فقد ساهمت في تفشي هذه الظاهرة، فاستفحالها تزامن مع توافد عشرات الآلاف من العرب والأفارقة على تونس نظرا لما تعيشه بلدانهم من غياب للاستقرار. هذا التوافد المكثف وخاصة من مواطني دول الجوار الذين قصدوا تونس بحثا عن الأمن واللذة وابداء استعداد لإنفاق المال بسخاء، شجع بدوره على امتهان هذه "المهنة" وخاصة لدى طيف كبير من الشابات التونسيات (حتى القاصرات منهن) الباحثات عن الدخل المادي دون بذل مجهود. وفي هذه الحالة تصبح ظاهرة الدعارة هي الوجه الآخر لتجارة "الشقق المفروشة" التي لم تكن منتشرة كثيرا في تونس إلا منذ سنوات...

لهذه الاسباب لا توجد احصائيات وطنية تتعلق بالاتجار بالبشر
تقول سعيدة راشد رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات انه رغم تغلغل الاتجار بالاشخاص في تونس فانه لا وجود لاحصائيات وطنية حول هذه الظاهرة بسبب غياب الاهتمام الخاص بها. واعتبرت ان عدم الأخذ بهذه الظاهرة التي تهدد نساءنا اهانة لكرامة المراة وجريمة في حق الانسانية عامة والنساء خاصة. كما اشارت سامية دولة مكلفة بمهمة لدى وزارة العدل وحقوق الانسان والعدالة الانتقالية إلى أنه لا وجود لتشريع يجرّم الاتجار بالأشخاص إلاّ أنه يوجد مشروع قانون وطني حول الاتجار بالأشخاص وتنص فصوله على اعتماد التعريف الدولي للإتجار بالأشخاص ورفع التجريم عن المخالفات المرتكبة من طرف الضحايا وتوفير اجراءات تضمن أكثر حماية للطفل خاصة وحماية الضحايا والشهود والمبلغين.

وذكّرت السيدة دولة بأن تونس تمتلك قوانين مختلفة تجرم الاتجار بالأشخاص من بينها مجلة الاجراءات الجزائية التي تجرم في المادة 105 الخدمة قسرا والتسول في المادة 171وما يليها وسوء معاملة الأطفال في المادة 201 والبغاء في المادة 232 والاختطاف في المادة 237 وتكوين مجموعة منحرفين في المادة 131 والاغتصاب في المادة 227 والحجز المادة 250، بالإضافة الى نصوص قانونية تجرم عدم احترام القواعد المتعلقة بتنظيم الانشطة ذات العلاقة بالإتجار بالأشخاص وعلاقات الشغل والنشاط السياحي، ولكن كل هذه القوانين لم تنجح في تسليط عقوبات على مرتكبي هذه الجرائم من شأنها الحد من هذه الظاهرة.

تعريف الاتجار بالاشخاص
تعرف المادة 3 من بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وخاصة النساء والأطفال، الاتجار بالاشخاص انه "تجنيد أو نقل أو تحويل أو إيواء أو استلام الأشخاص عن طريق التهديد أو استخدام القوة أو أي نوع من أنواع الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استخدام القوة أو استغلال موقف ضعف أو إعطاء أو تلقي دفعات أو فوائد للحصول على موافقة شخص يتمتع بالسيطرة على شخص آخر بهدف الاستغلال."

بينما يتزايد عدد ضحايا الاتجار بالبشر في تونس خاصة منهم النساء والاطفال والفتيات، تتهاون الدولة في تفعيل القانون المتعلق بهذه الجريمة. فهل سيكون بمقدور البرلمان القادم طرح هذه القضية بالجرأة المطلوبة ناهيك ان ممثلي الدولة والمجتمع المدني اكدوا على استفحالها في مجتمعنا؟

يثرب مشيري